رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 04-05-2015, 10:44 PM
نادي الرشيدي
زهرة جديدة
رقم العضوية : 17579
تاريخ التسجيل : Apr 2015
عدد المشاركات : 1
قوة السمعة : 0

نادي الرشيدي
غير متواجد
 
افتراضي
زعم بعض الناس أن العقيدة لم يعرفها الإنسان على ما هي عليه مرة واحدة، وإنما ترقت وتطورت خلال قرون سحيقة أطلقوا عليها " عصور ما قبل التاريخ "، " والعصور الحجرية " حيث لم يعرف الإنسان البدائي في زعمهم له رباً ولا معبودا ً، ثم نشأت لديه عاطفة التدين لما رأى الحيوانات تخشى القوى الخفية، وتخاف البرق والرعد، فظل يبحث عن معبود يشعر نحوه بالولاء والتقديس مهما كانت صورة هذا المعبود الذي يتوجه إليه بالحب والرهبة، فالتمسه في الشمس والقمر والكواكب، حتى في الأشجار والحيوانات، وقد تطور من وثنية إلى وثنية إلى أن اكتشف التوحيد من تلقاء نفسه، أي أن الدين في زعم هؤلاء هو نتاج العقل البشري واختراعه.

ويفهم من هذه المزاعم:

· أولاً: أن الإنسان الأول كان أقرب إلى الحيوان، وأنه خُلق خلقاً ناقصاً غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة، وأنه طبقاً للنظرية الداروينية الفاشلة كائن تطور عن غيره، وعليه فليس لتكليف هذا الإنسان ولا لاستخلافه في الأرض معنى.

· ثانياً: أنه كان مشركاً بطبيعته، والأصل في فطرته النزوع إلى الشرك والوثنية، وبناء على ذلك: زعموا أن الأصل في عقيدة البشر العقيدة الفاسدة، ثم طرأ التوحيد عليها، حيث أن الدين الداعي إلى التوحيد جاء متأخراً عن وجود الإنسان على ظهر الأرض في زعمهم.

· ثالثاً: أنه سعى بجهده وعقله في البحث عن معبود، وأن أفكاره تطورت ذاتياً بناء على تجاربه دون توجيه رباني يهديه ويرشده، إلى أن اكتشف الدين بنفسه دون معلم يعلمه، وأنه كما ترقى في العلوم والصناعات، ترقى كذلك في معرفة الله - تعالى -.

· رابعاً: أن قروناً طويلة مرت على البشرية وهي لا تعرف لها رباً ولا معبوداً، لكن كلما تقدم الزمن ترقت في مفهومها للدين وتطورت، وعليه فإن من جاءوا بعد آدم كانوا على دين أكمل منه، والقرون المتأخرة كانت أقرب للفهم الصحيح من الأمم المتقدمة.

[وتأسيساً على هذه المزاعم قاموا بمعالجة تواريخ الأمم التي سبقت بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما في ذلك تاريخ أوربا على أنه تاريخ وثني جاهلي محض، لا أثر فيه لوجود الله، ولا لدين هو الإسلام طلب الله من البشرية أن تعتنقه، ولا لنظام ولا لشرع رباني طلب الله من بني آدم أن يخضعوا حياتهم له، ولا وجود لرسل أرسلوا من قِبَل الله - عز وجل -، يطلبون من الناس عبادة الله وحده بدون شريك، أي انتفاء التكليف الرباني لبني البشر.

والنموذج لذلك، يتضح لنا، من كيفية معالجة المستشرقين لتاريخ مصر والعراق وبلاد الشام والجزيرة العربية منذ أقدم الدهور، والتي أسقطت تماماً أي دعوة إلى الإسلام حملها رسل الله في حياة الأمم التي سكنت تلك البلاد، وبهذا أصبحت جميع الأمم بلا استثناء تنظر إلى هذه الفترة من تاريخها على أنها خُلِقَت وتُرِكت هملاً، فلم تكن تعرف لها رباً، ولا ترتضى لنفسها ديناً، ليس هذا فحسب، بل راحوا يرددون أن الأصل في عقيدة أهل تلك الأقطار: الوثنية؛ وأنهم تطوروا في وثنيتهم من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد، وأن أول الموحدين في مصر من تلقاء نفسه في التاريخ هو الفرعون أخناتون " أمنحتب الرابع " الذي كان يعبد القوى الكامنة وراء إله الشمس آتون، وأن عبادته هي الحقيقة والدين الصحيح، وأن فكرته قد انتـقلت إلى بلاد العراق حيث أقام إبراهيم دينه، أي أن إبراهيم هو مؤسس الإسلام أي أنه ليس وحياً من عند الله!!!

وتأكيداً لهذه المزاعم، حرص علماء الآثار من المستشرقين على طمس أي قرينة أثرية أو ملامح تاريخية تؤكد أن الله - سبحانه وتعالى- فطر البشرية على الإسلام، وارتضاه لها ديناً، وبه بعث الرسل، وعندما تظهر قرينة رغماً عنهم تؤكد أصالة خط توحيد الله في حياة البشر راحوا يعزونها إلى تطور الفكر البشري، فهم يزعمون أن الإنسان قد تطور في معتقده كما تطور في صناعته.

وأصحاب منطلق التجاهل والتجهيل بالإسلام لا يستندون إلى دليل سوى الجهل، والجهل لا يصلح أن يكون دليلاً]. ا هـ [انظر.. الإسلام دين الله في الأرض وفي السماء " للدكتور جمال عبد الهادي، - حفظه الله -، ص (26)]

وفيما يلي، نلقي هذه النظرة على:

· مسالك الباحثين عن نشأة التدين في الوجود: يقول الدكتور أحمد بن ناصر الحمد - حفظه الله -" إن الطريق الذي يسلكه جمهور الباحثين للوصول إلى هذا المطلب هو التنقيب عن أديان الأمم القديمة، أو أديان الأمم المعاصرة غير المتحضرة، ويعتبر هؤلاء نهاية ما يعلمونه في القدم من أديان البشر؛ وما عليه الأمم الأشد تخلفاً من ممارسات دينية صورة مطابقة لما كان عليه الإنسان الأول!

ومصادر هؤلاء في إثبات آرائهم بالنسبة للأديان القديمة النقوش والرمم التي يستوحون منها ما يزعمونه قطعياً، ولما كانت تلك مصادرهم، اختلفت آراؤهم. فذهب فريق، إلى أن الدين بدأ بصورة الخرافة، وأن الإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم أن عقيدة

" الإله الأحد " عقيدة حديثة، وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي، ونادى بهذه النظرية أنصار المذهب التطوري، الذي ساد في أوروبا في القرن التاسع عشر في أكثر من فرع من فروع العلم. وذهب فريق آخر إلى القول: بفطرية التوحيد وأصالته، وأثبتوا أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشرية.

وقد رد أنصار هذا المذهب على القائلين بالمذهب التطوري مع أن مسالكهما في الوصول إلى تحديد بداية الدين واحدة، وهي دراسة الشعوب المتأخرة والأمم الغابرة.

وبالنظر إلى مسالك القوم في إثبات العقيدة الدينية، يتبين خطؤها، من حيث الغاية والوسيلة، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز - رحمه الله - " أما من حيث الغاية التي يهدف إليها البحث، وهي تحديد الأصل الأصيل للعقيدة والمظهر التي ظهرت به في أول الأزمنة بإطلاق، فلأن هذه المنطقة " البدائية المحضة " قد اعتبرها العلم شُقّةً حراماً حظرها على نفسه، وأعلن بصراحة خروجها عن حدود عمله … ومؤرخو الديانات على الخصوص معترفون، بأن الآثار الخاصة بديانة العصر الحجري وما قبله لا تزال مجهولة لنا جهلاً تاماً، فلا سبيل للخوض فيها إلا بضرب من التكهن والرجم بالغيب.

وأما من حيث المنهج، وهو الاستدلال على ديانة الإنسانية الأولى بديانة الأمم المنعزلة المتخلفة عن ركب المدنية، فلأنه مبني على افتراض أن هذه الأمم كانت منذ بدايتها على الحالة التي وصل إليها بحثنا، وأنها لم تمر بها أدوار متقلبة، وهو افتراض لم يقم عليه دليل، بل الذي أثبته التاريخ، واتفق عليه المنقبون عن آثار القرون الماضية، هو أن فترات الركود والتقهقر التي سبقت مدنياتها الحاضرة، كانت مسبوقة بمدنيات مزدهرة، وأن هذه المدنيات قامت بدورها على أنقاض مدنيات بائدة قريبة، أو بعيدة، في أدوار تتعاقب على البشرية.. فمن العسير أن نحكم بصفة قاطعة أن الخرافات القديمة، بداية ديانات، كما يمكن أن يكون تحللاً، وتحريفاً لديانة صحيحة سابقة مزقت أهلها الحروب، أو أفسدتهم المؤثرات الاجتماعية، فقلت عنايتهم بأصول دينهم فضاع، وبقى تعلقهم بأشياء منه محرفة، أو مغلوطة، بهذا يظهر مبلغ ثبات الفرض الذي بنيت عليه البحوث الحديثة كلها، وأنها أُسست على جُرُفٍ هارِ لا تطمئن عليه الأقدام ".

ومما يوضح بطلان هذه الطريقة التي سلكها أصحاب المذهبين للوصول إلى معرفة هذا الأمر المهم بالنسبة للبشرية، أن القدر الذي عرف من تاريخ البشرية وبين عصر نشأتها لا تزال الثغرة فيه واسعة لم تُسَدَّ، ولن تُسَدَّ، إذا لم يقل أحد: " إن الوقائع المفقودة الوثائق يمكن إثباتها على وجه قاطع بمثل هذا الضرب من التخمين اعتماداً على مجرد حسن المقابلة، وجمال التناسق بينها، وبين الوقائع المعروفة "، دون تثبت من حصول التشابه بين تلك العصور، حتى يتم القياس على وجه صحيح ودقيق.

وأما الاستدلال بالآثار من النقوش، أو الحفريات، ثم استنطاق الرمم فأمر يحتاج إلى كثير من التأمل، وكل من كان له قلب يدرك مدى اختلاف تفسيرات الناس للأشياء المعينة المشاهدة في وقت واحد، فكيف الحال بتفسيرات المتأخرين بقرون طويلة لأحوال أولئك المتقدمين وأعمالهم؟ كما أن تعبيرات الناس عن الصور الحية متباينة كل التباين، فكيف هي عنها بعد أن رَمّتْ؟!

هذا فيما يتعلق بمستند الرأيين على حد سواء، ويزيد المذهب التطوري في كونه مبنياً على افتراض آخر، وهو أن الملكات والأحاسيس الروحية كالقوى البدنية، والمكتسبات العقلية، والتجريبية، فكما أن الإنسان ينتقل في نموه البدني من الضعف إلى القوة، وفي نموه العقلي من الجهالة إلى المعرفة، قد يلوح أنه بدأ حياته الروحية بالسخف والخرافة، ولم يصل إلى العقيدة السليمة إلا بعد جهد وعناء.

وقد انتُقِد هذا القياس، بأن المشاهد من حياة الناس الروحية، عدم التوافق في كل أدوارها جنباً إلى جنب مع حياتهم المادية، بل إنهما يسيران في طريقين متعارضين ككفتي الميزان لا ترتفع إحداهما إلا انخفضت الأخرى، وقليل من التأمل يهدي إلى أن محاولة قياس الأديان على الفنون والصناعات إنما هو محاولة للجمع بين أمرين لا تؤلف بينهما حقيقة نوعية مشتركة، بل تتباين طبائعهما ووسائلهما، ولقد كان مقتضى الوضع السليم في تعرف ما كانت عليه بداية الأديان فيما قبل التاريخ أن نسترشد في مقارنتها بسير الديانات المعروفة منذ طفولة التاريخ إلى اليوم، فالمعروف بالاستقراء أن كل واحدة من هذه الديانات بدأت بعقيدة التوحيد النقية، ثم خالطتها الشوائب، والأباطيل مع تقادم زمنها، فالأشبه أن تكون هذه سنة التطور في الديانات كلها.

ومن عجيب أمر الباحثين في تاريخ الأديان: أنهم يغفلون آثار الأنبياء، ويتجاهلون كتبهم، ويتعلقون بالواهي من الأدلة، ورموز الأخبار، والآثار، وتزداد الغرابة، وتعظم المصيبة حينما يكون الباحث مسلماً، ويتابع غير المسلمين في مثل هذه الأمور التي صرحت بها الرسالات السماوية، وجَلاها الدين الإسلامي بما لا يدع مجالاً للشك، سواء بالنسبة لخلق الإنسان، أو تكوينه ونظام حياته ودينه، والحكمة من خلقه ووجوده، والله - عز وجل - يقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} … (الإسراء: 36)، ويقول - جل وعلا -{مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} … (الكهف: 51).

وإذا كنا من خلال ما سبق، قد رأينا أن وسائل العلوم التي يسلكها الباحثون في تحري الحقائق لم تقدم لنا بياناً شافياً يطمئن إليه القلب، وتسكن إليه النفس عن ديانة الإنسان الأول، فما هو المصدر الصحيح الذي يمكن من خلاله أن نستشرف هذا الغيب، ونقف على وجه الصواب فيه؟



مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع






الساعة الآن 06:27 PM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات زهور الإسلام